الشيخ محمد الصادقي

186

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

فقد تبين هنا للعامل الوحيد بالآية فضيلتان : أنه ما ترك نجواه بل قد زاد فيها ، وأنه الذي يحق أن يناجي الرسول عليه السلام بما فيها من صالح الأمة الإسلامية لأنه باب مدينة علمه والصادر عنه ، وكم له من ميزات أجمعت الأمة عليها ، وهذه منها « 1 » رغم ما نقم منه الناقمون لحدّ اضمروا عن اسمه فقالوا : ( رجل من المهاجرين ) واشركوا معه في هذه الكرامة غيره « 2 » خلافاً لإجماع الرواة والمفسرين . ولما ترك جماعة من المسلمين المناجاة خشية الإنفاق وخيّم عليهم الإشفاق : العناية المختلطة بخوف ، نسخ اللَّه تعالى حكم صدقة المناجاة شفقة عليهم ورحمة ، وتاب عليهم ، فاختصت الفضيلة في تطبيق الآية بالإمام علي عليه السلام لحّد يسُرُّ منه الخليفة عمر « 3 » . « أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ » : فهنا « نَجْواكُمْ » توحي بأنهم تناجوا الرسول بعد النهى ولم يقدموا صدقات وهكذا يوحي الإشفاق أيضاً فإنه عناية مختلطة بخوف ، عناية في مناجاة الرسول صلى الله عليه وآله وخوف من الصدقات ، وخوف من اللَّه في تركها ، فابتلوا بهذه البلية ، ولو استمرت لكانت بلاء لزاماً ، ولكنه تعالى : ( وضعها عنهم بعد أن فرضها عليهم برحمته ومنّه ) وكما يروى عن الرسول صلى الله عليه وآله « 4 » .

--> ( 1 ) ) . عنه عليه السلام يقول للقوم بعد موت عمر بن الخطاب : نشدتكم باللَّه هل فيكم أحد نزلت فيه هذه الآية . . . فكنت انا الذي قدم‌الصدقة ، غيري ؟ قالوا ، « لا » وكما احتج به على أبي بكر بقوله عليه السلام فأنشدك باللَّه أنت قدم بين يدي نجواه لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله صدقة فناجاه وعاتب اللَّه تعالى قوماً فقال : أأشفقتم . . . أم أنا ؟ قال : بل أنت ( نور الثقلين 5 : 265 عن الاحتجاج للطبرسي ) ( 2 ) ) . كما أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل ينقل القصة إلى أن يقول : فأما أهل العسرة فلم يجدوا شيئاً وأما أهل الميسره‌فمنع بعضهم ماله وحبس نفسه إلا طوائف منهم جعلوا يقدمون الصدقة بين يدي النجوى ويزعمون أنه لم يفعل ذلك غير رجل من المهاجرون من أهل بدر فأنزل اللَّه « أَ أَشْفَقْتُمْ . . . » ( الدر المنثور 6 : 185 ) ( 3 ) . تفسير روح البيان 9 : 406 - لإسماعيل حقي البروسي عن عمر رضي اللَّه عنه : كان لعلي اللَّه عنه ثلاث لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إلى من حمر النعم : تزويجه فاطمة رضي اللَّه عنها واعطاء الراية يوم خيبر وآية النجوى ( 4 ) . الاحتجاج للطبرسي عن النبي صلى الله عليه وآله حديث طويل في مكالمة بينه وبين اليهود وفيه : فأنزل اللَّه عز وجل ألا يكلموني حتى يتصدقوا بصدقة وما كان ذلك لنبي قط ( ثم ذكر صلى الله عليه وآله الآية وقال : ) ثم وضعها عنهم بعد ان فرضها عليهم برحمته ومنه . ( نور الثقلين 5 : 264 )